جوكر 2019 – العِبرة التي ينبغي أن نفهمها جيداً

صورة حية التقطتها في أثناء مشاهدة الفيلم في السينما.. لما اعتبرته المشهد الأكثر إثارةً فيه

حديثنا اليوم عن فيلم “جوكر”.. الذي ملأ الدنيا وشغل الناس منذ ما قبل البدء بعرضه وحتى اليوم، ومناسبة الحديث طبعاً أنني شاهدت الفيلم أمس مع زوجتي الغالية في سينما (إيه إم سي) بالرياض بناءً على اقتراح موفق منها 😄👏
سأحاول تلخيص انطباعي عن الفيلم في النقاط التالية:

– يحكي الفيلم قصة مريض نفسي (آرثر) عاش طفولة مضطهدة مع أمه العازبة ولم يتمكن من إكمال تعليمه، واتجه نحو الكوميديا طلباً للرزق، وهو ما لم ينجح كثيراً فيه بسبب مرضه النفسي وضحكه الهوسي التوتري، الذي لا يعكس حقيقة مشاعره الحزينة. يتعرض هذا الشخص للتنمر من المجتمع تارةً، ومن الأقدار التي حرمته العلاج النفسي تارةً أخرى، فيقرر الانتقام لنفسه ويُسبب انتقامه ذلك إشعال ثورة شعبية في مدينته (غوثام) التي تعاني أساساً من مشاكل اجتماعية واقتصادية كبيرة.

– الفيلم شيق جداً، وواقعي بدرجة كبيرة، ويستحق المشاهدة، وهو ينطبق بشكل أكبر على مجتمعاتنا العربية التي يعاني أفرادها “العاقلين” من شتى أنواع الاضطهاد، فما بالكم بالمرضى النفسيين! أما بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، فلا أعتقد أن هذا الفيلم ينطبق على واقعها “النفسي” في القرن الحادي والعشرين حيث يتمتع المرضى النفسيون بعناية وإرشاد نفسي كبيرين، وإنما قد يعكس فترة ماضية تعود لخمسين أو ستين عاماً مضت.

– يتمتع الفيلم بسيناريو وحبكة مميزين وأداء تمثيلي رائع من ممثليه، وخاصة البطل جاكوين فونيكس (ذو الملامح الفرنسية) بدور آرثر.. فعلى الرغم من طابع الفيلم الكئيب، إلا أنه يشدّ المشاهد من أول لحظة وحتى آخر لحظة.. ناهيك عن براعة التصوير والإخراج التي تعكس تلك الكآبة في جميع المشاهد، فقلما جرى تصوير المشاهد في وسط مُضيء.. وإنما غالباً وسط غرف مظلمة وأجواء سوداوية، وحتى المشاهد الخارجية انعكست الكآبة في ألوانها الخريفية وألوان ثياب الممثلين.. ولعل اللون الوحيد الذي يكسر هذه الرتابة هو لون الدم الذي تفيض بعض المشاهد به بدرجة مرعبة تجعله غير مناسب أبداً للمراهقين أو الأطفال.

– المشهد الأكثر إيلاماً في الفيلم، والذي حطم قلبي حقاً، هو أول مشهد فيه والموجود في تشويقة “تريلر” الفيلم.. مشهد تنمّر مجموعة من المراهقين على “الجوكر” في أثناء تأديته عمله.. وسلبه اللوحة الإعلانية التي يحملها وتحطيمها على رأسه، ومن ثم ركله وإهانته.. وهو ما أدى لاحقاً إلى فصله من عمله! فعلى الرغم من كمية الأسى والعنف التي تظهر لاحقاً في الفيلم، إلا أنني لم أجد أقسى من هذا المشهد ولا أكثر إيلاماً منه.

– المشهد الأكثر “تشفياً” في الفيلم، هو مشهد قتل الجوكر لثلاثة أشخاص في قطار الأنفاق حاولوا التحرش بفتاة، ثم الاعتداء عليه بعد أن أزعجهم ضحكه الهيستيري والذي يعكس حقيقةً شعوره بالشدة والألم وليس السخرية.. في هذه اللحظة تُدرك أن ليس كل عملية قتل جريمة تستحق أقسى درجات العقاب!

– المشاهد الأكثر دفئاً وجمالاً في الفيلم، هي مشاهد التقاء البطل الجوكر مع جارته (الممثلة زازي بيتز) التي أحبته ومنحته الحنان والدفء وشجعته في عمله.. حيث تصور تلك المشاهد كيف يمكن للحب أن يعالج آلام الجسد والزمن.. أو ربما يدفع المرء للجنون، كما في إيماءة إطلاق النار على الرأس التي لاطفت الجارة بها آرثر عند لقائها الأول به.

– المشهد الأكثر إثارةً في الفيلم، هو مشهد تحول غضب الجماهير إلى ثورة عارمة في المدينة اتخذت من قناع المهرج شعاراً لها.. هذا المشهد أشعل الحماس والنيران في قلبي، ودفعني عفوياً لتصويره بكاميرة جوالي وكأنني أحضر مظاهرة حقيقية في شوارع سوريا! (الصورة المرفقة مع هذه المراجعة) ولولا وجودي في سينما عامة وسط جمهور صامت.. لهتفت بأعلى صوتي الله أكبر!!

– الخلاصة التي وصلت لها من مشاهدة الفيلم، والتي ينبغي أن نفهمها جميعاً (وخاصةً شعوب الربيع العربي) واستغربت من عدم اهتمام المراجعات التي قرأتها حول الفيلم بها: إن الظلم الاجتماعي هو محرك الثورات ووقودها.. لا تلوموا الثائرين، بل عالجوا آلامهم.. لا تلعنوا ثورتهم، بل العنوا الظروف التي أشعلتها.. حاولوا السيطرة على نيرانها وإطفائها قبل أن تأتي على كل أخضر ويابس.

– في أثناء حضوري الفيلم في السينما، استغربت أنا وزوجتي -كما أصدقاء آخرون كثر حضروا الفيلم في أماكن أخرى من العالم- اعتلاء ضحكات من الجمهور في أثناء بعض مشاهد الفيلم المؤلمة جداً.. لا أدري هل هي بلاهة ناجمة عن عدم تمييز ما هو مؤلم وما هو مضحك، أم اضطراب نفسي، أم أنها الكوميديا السوداء التي تضحك أشخاصاً وتبكي آخرين.. بكل حال، هي ظاهرة نفسية تستحق الدراسة، وأخبرونا إن وجدتم شيئاً مضحكاً وسط هذا الضجيج..

– ختاماً، ولمن يرغب بمتابعة الفيلم.. فهو لا يزال في دور عرض السينما.. ولا أعتقد أن هناك سبيل لمشاهدته حالياً إلا في دور السينما، أو الانتظار حتى يتوفر على المنصات الإلكترونية المختلفة.

أتمنى أن أكون قد وُفقت في هذا العرض، ولكم التحية 😊🌹❤

فكرتان اثنتان على ”جوكر 2019 – العِبرة التي ينبغي أن نفهمها جيداً

  1. تغطية عميقة لابعاد تتجاهلها عادة تقييمات الأفلام.
    بخصوص غرابة ردات الفعل على بعض المشاهد. من قبيله ما حير بعض الصحفيين الذين نقلو ردات فعل تشفي واعجاب للمشاهدين الأمريكيين في قاعات السينما تجاه مقطع تفجير البيت الأبيض في فلم يوم الاستقلال ل ويل سميث. مشاهدات مطروحة للتأمل والدراسة!؟
    لم اشاهد الفيلم ولكن السؤال المباشر الذي يتبادر لذهن البعض عادة وقد يكون تساؤل قديم ورتيب هو؛ هل في ابعاد هذه الضجة حيال الفيلم نوع من (الاحتفاء) بالنشاط الإجرامي وتوليد إعجاب يدغدغ الزوايا الأكثر سوداوية في انفس البشر؟

    معجبين ومتابعين.

    Liked by 1 person

    1. شكراً لك أخي العزيز د.أحمد. في الحقيقة لا أتوقع أن ما حدث في الفيلم كان احتفاء بنشاط إجرامي أو توليد إعجاب بزوايا سوداوية عند البشر.. فكل الجرائم التي حدثت في الفيلم كانت بأسباب مباشرة أو غير مباشرة وليس محض شر. أما بخصوص النيّة المبيّتة، فلا أعلم أيضاً ما إذا كان الفيلم عبارة عن مؤامرة لإشعال غضب الجماهير تجاه بعض الرموز.. ولكن ما أعلمه أن الفيلم نجح بالفعل في إثارة المشاهدين، حتى أن المحتجين في العديد من النقاط الساخنة حول العالم بدؤوا باتخاذ قناع المهرج شعاراً لهم تأسياً بما حدث في الفيلم. كما قلت في المراجعة، ينبغي ألا نلعن الثورات والثائرين، ولكن أن نعمل على إزالة أسبابها.. فلن ينجح أحد في إشعال غضب الناس دون وجود أسباب حقيقية لذلك الغضب.

      إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s